أبي طالب المكي
385
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
فكان من أراد طعاما أكل ، ومن اشتهى لحما قطع وشوى أو طبخ ، ومن احتاج إلى ثوب لبس من غير إذن ولا مؤامرة . قد عرفوا ذلك من أخلاقه ، وكان مثله جماعة متخلَّقين بهذه الأخلاق ، وقد جعل الله تبارك وتعالى الألفة بين المؤمنين من آياته ، وتمدح بوصفها ولم يكلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عزّ وجلّ : * ( وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * [ الأنفال : 63 ] . أي عزيز لا يؤلف غيره ما فرق ، ولا يفرق سواه ما ألف ، حكيم تفرد بالحكم في التأليف ، كما توحد بالتوحيد بالتعريف . ومعنى آخر : عزيز عزز الألفة وعظمها عند المؤمنين ، حكيم جعلها في الحكمة مع الحكماء من الصالحين . ونظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان ، فوقف أحدهما يحك جسده فوقف الآخر فبكى أبو الدرداء فقال له : هكذا الإخوان في الله عزّ وجلّ ، يعملان لله تبارك وتعالى ويتعاونان على أمر الله ، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر لوقوفه ، وكان أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر ، وكان يقول : إني لأدعو لأربعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم . وقد جاء في الحديث : دعاء الأخ لأخيه بالغيب لا يرد . ويقول الملك : ولك مثل هذا . وفي لفظ آخر يقول الله تبارك وتعالى : بك أبدأ . والحديث المشهور : يستجاب للمرء في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه ، فمن واجب الأخوة تخصيصه وإفراده بالدعاء ، والاستغفار له في الغيب ، فلو لم يكن من بركة الأخوة إلَّا هذا كان كثير . وكان محمد بن يوسف الأصبهاني يقول : وأين مثل الأخ الصالح ، أهلك يقتسمون ميراثك وهو منفرد بحسرتك ، مهتم بما قدمت ، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى ، فقد أشبه الأخ الصالح الملائكة : لأنه جاء في الخبر : إذا مات العبد قال الناس : ما خلف وقالت الملائكة : ما قدم ، يفرحون بما قدم من خير ويشفقون عليه . وقال بعض العلماء : لو لم يكن في اتخاذ الإخوان إلَّا أنّ أحدهم يبلغه موت أخيه فيترحم عليه ويدعو له ، فلعله يغفر له بحسن نيته له ويقال : من بلغه موت أخيه فترحم عليه واستغفر له ، كأنه شهد جنازته وصلَّى عليه . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء ، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ ، وإنه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء ، من الأنوار أمثال الجبال ويقال : الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء في الدنيا . قال : فيدخل الملك على الميت معه طبق من نور ، عليه منديل من نور فيقول : هذه هدية من عند أخيك فلان ، من عند قرينك فلان قال : فيفرح بذلك ، كما يفرح الحي بالهدية ، فقد كان الإخوان يوصون إخوانهم بعدهم بدوام الدعاء لهم ، ويرغبون في ذلك لحسن يقينهم